شكّل معبر رفح شريان النجاة الوحيد لآلاف المرضى والجرحى الذين ظنوا فيه بوابة للخروج نحو العلاج وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أرواح أنهكها القصف ونقص الإمكانات الطبية داخل القطاع. لكن مع بدء سريان وقف إطلاق النار قبل سبعة أشهر، تبدّل المشهد تدريجيًا،وتحول واقع المرضى فى قوائم الانتظار الى موت محتمل مرتبط بألية العمل فى اجلاء المرضي، ليتحوّل معبر رفح من “بوابة نجاة” إلى مساحة انتظار طويلة وموت محتمل، يتقدّم فيها المرض أسرع من قرارات الإجلاء والسفر، وتتسع فيها دائرة الخطر كلما طال الوقت. بين المرض والوقت منذ سبعة أشهر، يعيش الشاب لؤي تنيرة (23 عامًا)، المصاب بسرطان الكبد، على قوائم الانتظار، في سباق غير متكافئ بين المرض والوقت، حيث تتقدم الخلايا السرطانية في جسده بسرعة أكبر من أي قرار يسمح له بمغادرة القطاع لتلقي العلاج. وتقول عائلة الشاب لـ”شهاب”: “لا يتوفر أي علاج متخصص لحالة ابنهم، فيما تراجعت القدرة على إجراء حتى الفحوصات المخبرية الدورية التي كان يعتمد عليها الأطباء لمتابعة تطور المرض، ما جعل تقييم وضعه الصحي أكثر صعوبة وتعقيدًا، وترك حالته عرضة للتدهور المستمر دون تدخل علاجي فعّال”. وخلال الأسبوع الأخير من شهر مايو/أيار 2026، عكست حركة العبور عبر معبر رفح هذا الواقع المحدود، إذ بلغ عدد المسافرين 428 مسافرًا، مقابل 255 قادمًا إلى قطاع غزة، في مؤشرات تعكس استمرار الحركة الإنسانية لكن بوتيرة مقيدة مقارنة بحجم الاحتياج، في حين لا يزال أكثر من 21,500 مريض بحاجة ماسة للعلاج خارج القطاع. ورغم استمرار عمليات سفر المواطنين، فإن حركة الإجلاء الطبي ما زالت محدودة مقارنة بحجم الطلب المتراكم، حيث تُجرى عمليات النقل ضمن دفعات متفرقة وبأعداد صغيرة، ما يفاقم الفجوة بين الاحتياج الفعلي والقدرة التشغيلية للمعبر، رغم استمرار حالة التهدئة. وتشير المعطيات إلى أن آلية الإجلاء التي تمر بسلسلة طويلة من الإجراءات والموافقات التنسيقية والأمنية، وهو ما يطيل زمن الانتظار ويجعل الحالات المرضية عرضة للتدهور الصحي والموت المحتمل على قوائم التحويل والانتظار. يؤكد مسؤولون صحيون في قطاع غزة أن المستشفيات العاملة حاليًا تعمل عند “السقوف الدنيا” من القدرة التشغيلية، في ظل نقص حاد في المستلزمات المنقذة للحياة، ما يجعل القطاع الصحي عاجزًا عن التعامل مع الحالات الحرجة المتزايدة، خصوصًا تلك التي تنتظر الإجلاء الطبي خارج القطاع. ويشير مدير عام الصيدلة في وزارة الصحة، ذكري أبو قمرلـ”شهاب”، إلى أن العجز الدوائي في مخازن الوزارة وصل إلى نحو 50%، فيما تجاوز نقص المستهلكات الطبية 60%، موضحًا أن معظم ما يتم إدخاله إلى القطاع يقتصر على محاليل وأدوية أساسية لا تلبي احتياجات العمليات الجراحية المعقدة أو الأمراض المزمنة والمستعصية. وبحسب أبو قمر، فإن أدوية حيوية لمرضى السرطان والسكري والضغط والثلاسيميا ما زالت تعاني من نقص حاد أو منع متكرر من الدخول، إلى جانب استمرار القيود على أدوية التخدير والعلاجات التخصصية، ما يفاقم من صعوبة إجراء التدخلات الطبية داخل المستشفيات. كما أشار إلى أن القيود المفروضة على تخزين الأدوية الحساسة تؤدي في كثير من الحالات إلى تلفها أو تأخر استخدامها، ما ينعكس مباشرة على المرضى الذين ينتظرون العلاج. ويمتد النقص ليشمل المستلزمات الجراحية الأساسية مثل الشاش والحقن والمواد الطبية الحيوية، إضافة إلى تعطل قطع غيار الأجهزة والمولدات الكهربائية، وهو ما تسبب في توقف أو تعطّل عدد من الفحوصات المخبرية نتيجة نفاد المواد الكيميائية اللازمة للتحليل، الأمر الذي يحد من قدرة الأطباء على تشخيص الحالات الحرجة بدقة وفي الوقت المناسب. مسار المرض وفي السياق ذاته، يقول مدير المعلومات في وزارة الصحة زاهر الوحيدي إن نقص الأدوية أدى بشكل مباشر إلى وفاة نحو 100 مريض داخل المستشفيات، مشيرًا إلى أن أكثر من 21 ألف مريض ما زالوا على قوائم الانتظار للتحويلات الطبية إلى الخارج، في ظل قيود مشددة على حركة السفر. ويوضح الوحيدي أن الالتزامات التي نصّت على خروج ما يقارب 50 مريضًا يوميًا لم تُنفذ فعليًا، حيث لم يتجاوز المعدل اليومي في بعض الفترات نحو 11 مريضًا فقط، ما أدى إلى وفاة 1581 مريضًا كانوا بحاجة عاجلة للعلاج خارج القطاع، لكنهم فقدوا فرصتهم بسبب تأخر الإجلاء. كما تشير بيانات طبية إلى تراجع حاد في أعداد مرضى غسيل الكلى، إذ انخفض عددهم من نحو 1100 مريض قبل الحرب إلى 670 مريضًا حاليًا، في مؤشر يعكس حجم الفقد البشري الناتج عن نقص العلاج أو تعذر الوصول إلى الخدمات الطبية. وعلى صعيد البنية التحتية، يؤكد وكيل وزارة الصحة ماهر شامية أن الحرب أدت إلى خروج 18 مستشفى من أصل 38 عن الخدمة بشكل كامل، فيما تعمل بقية المرافق بشكل جزئي محدود، وسط اكتظاظ شديد ونقص في الأسرة الطبية. أما على مستوى الأجهزة الطبية، فقد تراجع عدد أجهزة التصوير المقطعي من 17 جهازًا إلى 6 فقط، فيما خرجت أجهزة الرنين المغناطيسي بالكامل عن الخدمة، في حين فقدت منظومة الإسعاف أكثر من نصف مركباتها بعد تدمير أو مصادرة نحو 100 سيارة إسعاف من أصل 200. كما تعرضت المختبرات الطبية لانهيار واسع، حيث تضرر نحو 48% منها بما في ذلك مختبر الصحة العامة، ما أفقد المنظومة الصحية القدرة على مراقبة الأوبئة أو فحص المياه والأغذية بشكل كافٍ. في ظل هذا الواقع، لا تبدو قوائم الإجلاء الطبي مجرد إجراءات تنظيمية، بل تتحول تدريجيًا إلى امتداد مباشر لأزمة صحية أعمق، حيث يصبح الانتظار نفسه جزءًا من مسار المرض وتطوره.

