على مدى شهور، بُنيت خيوط اللغز الاستخباراتي في غرف مغلقة بوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، حيث راقب عملاء الوكالة عن كثب كل تحركات المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي.
ووفقًا لتقرير مفصل نشرته صحيفة نيويورك تايمز، تمكنت الاستخبارات الأمريكية من تكوين صورة دقيقة وموثوقة عن سلوك خامنئي وأنماط تحركاته، مع تحقيق “أمن عالٍ” في مواقع تواجده المختلفة
تم الحصول على المعلومات الحاسمة بعد أن قام محققو الوكالة بتحليل الحرب الاولى في يونيو الماضي، وهي فترة تم خلالها الكشف عن طرق اتصال وحركة القيادة الإيرانية.
حدث التحول في الخطة العملياتية عندما رصدت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) اجتماع قمة لكبار مسؤولي النظام من المتوقع أن يُعقد صباح يوم السبت في المجمع الحكومي المحصن بقلب طهران. وأشارت المعلومات الاستخباراتية إلى أن خامنئي نفسه سيكون حاضراً في الموقع، إلى جانب عدد من كبار القادة من المؤسسة الأمنية والدفاعية.
فور تلقي المعلومات، شاركت الولايات المتحدة التفاصيل مع إسرائيل، وفي تل أبيب وواشنطن، تقرر بالإجماع تغيير الخطة الأصلية. فبينما كانت الدولتان قد خططتا في البداية لشن هجوم ليلي تحت جنح الظلام، أتاحت المعلومات المتعلقة بالتجمع فرصة نادرة لتحقيق نصر مبكر وحاسم من خلال القضاء على القيادة العليا بأكملها في آن واحد.
بحسب صحيفة “نيويورك تايمز”، انطلقت العملية المعقدة صباح السبت، عندما أقلعت طائرات مقاتلة من قواعدها. ورغم أن عدد الطائرات المشاركة في الهجوم كان قليلاً نسبياً، إلا أنها كانت تحمل أسلحة دقيقة للغاية وبعيدة المدى.
وبعد نحو ساعتين وخمس دقائق من الإقلاع، أصابت الصواريخ مجمع القيادة بدقة متناهية. في ذلك الوقت، كان كبار أعضاء مجلس الأمن القومي في أحد مباني المجمع، بينما كان خامنئي في مبنى مجاور.
وتأتي هذه الرواية بالتوازي مع ما نقلته “رويترز” عن مصادر أميركية وإسرائيلية بأن العملية نُفذت بعد تأكيد وجود خامنئي في اجتماع مع دائرته المقربة، ما دفع إلى تقديم توقيت الضربات للحفاظ على عنصر المفاجأة.
وأشار مصدر أمريكي إلى أنه كان من المفترض أن يعقد خامنئي الاجتماع مساءً في طهران، لكن المخابرات الإسرائيلية حددت الاجتماع على أنه سيعقد صباح يوم السبت – وتم تقديم موعد الهجمات.
بحسب صحيفة وول ستريت جورنال، كانت أجهزة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية والأمريكية تنتظر هذه الفرصة النادرة منذ زمن طويل: اجتماعٌ يجمع كبار القادة السياسيين والعسكريين الإيرانيين، حيث يُمكن اغتيالهم جميعًا دفعةً واحدة.
وفي صباح يوم السبت، ووفقًا لمصادر إسرائيلية، رصد ضباط الاستخبارات ثلاثة اجتماعات، من بينها اجتماع مع خامنئي.
وذكرت الصحيفة أن اللحظة كانت فريدة من نوعها، ما دفع إلى اتخاذ قرار الهجوم في وضح النهار، حيث ألقت الطائرات الإسرائيلية 30 قنبلة على مقر إقامة خامنئي، فدمرته وأحرقته.
وقال ترامب: “لم يتمكن خامنئي من الإفلات من أجهزة استخباراتنا وأنظمة المراقبة الأكثر تطوراً لدينا. وبالتعاون الوثيق مع إسرائيل، لم يكن بوسعه – أو القادة الآخرين الذين قُتلوا معه – فعل أي شيء”.
وأفادت شبكة “سي بي إس” بمقتل نحو 40 مسؤولاً إيرانياً رفيع المستوى في الهجمات الأمريكية والإسرائيلية حتى الآن، بمن فيهم، كما ذُكر، كبير المستشارين شمخاني، ومحمد فاخبور، قائد الحرس الثوري، وعزيز ناصر زاده، وزير الدفاع.
وقدّرت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، عند تقييمها للوضع قبل الهجوم، أن خامنئي قد يُستبدل بعناصر متطرفة في الحرس الثوري، إلا أن إسرائيل والولايات المتحدة تسعىان جاهدتين لاستبدال النظام، وقد جعلتا ذلك أحد أهداف العملية. وفي غضون ذلك، تم تعيين مجلس مؤقت في إيران لتولي زمام القيادة .
لعبة بن سلمان المزدوجة
ذكرت صحيفة “واشنطن بوست” أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، إلى جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مارس ضغوطاً على ترامب لشن هجوم، حيث تحدث مع الرئيس عبر الهاتف عدة مرات للترويج للهجوم، رغم تأييده العلني للحل الدبلوماسي.
وبحسب التقرير، صرّح بن سلمان في ختام محادثة مع الرئيس الإيراني فضل الله أن بلاده لن تسمح باستخدام مجالها الجوي أو أراضيها لشن هجمات ضد إيران، لكنه حذّر، خلال محادثاته مع مسؤولين أمريكيين، من أن إيران ستخرج أقوى وأكثر خطورة إذا لم تشن الولايات المتحدة هجوماً عسكرياً ضخماً عليها في الشرق الأوسط.
أشارت صحيفة “واشنطن بوست” إلى أن خالد بن سلمان، شقيق الرئيس الإيراني، الذي زار واشنطن في يناير الماضي، وجّه رسالة مماثلة خلال اجتماعات مغلقة.
وأكد التقرير أن ترامب اقتنع في نهاية المطاف بتنفيذ الهجوم، خلافاً لسياسته المتبعة منذ فترة طويلة، وعلى الرغم من عدم وجود تهديد مباشر من الولايات المتحدة للأراضي الإيرانية.
بحسب صحيفة واشنطن بوست، يُرجّح أن يكون الدافع وراء ازدواجية سياسة بن سلمان هو رغبته في منع إيران من الرد على البنية التحتية النفطية لبلاده. وقد أقرت مصادر مقرّبة منه بأنه يعتبر طهران العدوّ الأكبر للرياض في المنطقة.

