تعثرت المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في روما، بعدما تزامن يومها الثاني مع مقتل جنديين إسرائيليين في انفجار بجنوب لبنان، أعقبه قصف وغارات إسرائيلية أسفرت عن مقتل شخص وإصابة آخرين.
ولا تزال الخلافات بشأن وقف العمليات العسكرية، والانسحاب الإسرائيلي، وما يُعرف بـ”المناطق التجريبية”، تحول دون تحقيق اختراق سياسي.
وقالت صحف لبنانية إن المحادثات “تعثرت، لكنها لم تنهَر”، مشيرة إلى أن التصعيد الميداني خيّم على أجواء المفاوضات التي بدأت الثلاثاء بوساطة أمريكية، ومن المقرر أن تستمر حتى الخميس.
ونقلت وكالة فرانس برس عن مصدر مطلع على المفاوضات أن إسرائيل طلبت إنهاء جلسة الأربعاء قبل موعدها بثلاث ساعات. وأضاف المصدر أن رئيس الوفد الإسرائيلي، سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة يحيئيل لايتر، أرجع القرار إلى ما وصفه بـ”تسريبات مضللة” من الجانب اللبناني.
وأفادت وسائل إعلام لبنانية، الخميس، بانطلاق اليوم الثالث والأخير من المفاوضات في روما.
مفاوضات عبر ثلاثة مسارات

وقالت مصادر في القصر الجمهوري اللبناني لبي بي سي إن انطلاق جلسات اليوم الثالث من المفاوضات تأخر نحو ساعة، لأسباب تتعلق بالجانب الأمريكي.
وأضافت المصادر أن المفاوضات تُجرى عبر ثلاثة مسارات متزامنة: سياسي وعسكري وقانوني، موضحة أن الوفد القانوني بحث حصراً ملف الأسرى.
وبحسب المصادر، انقسم البحث في هذا الملف إلى شقين، يتعلق الأول بأحكام القانون الدولي، فيما يتناول الثاني تبادل قوائم الأسماء بين الجانبين.
وأشارت إلى أن هذا المسار يُعد معقداً بالنسبة إلى لبنان، إذ إن الأشخاص الذين يُحتمل أن يكونوا أسرى لدى إسرائيل مسجلون لدى الجانب اللبناني في عداد المفقودين، ووصفت أجواء النقاش في هذا الملف بأنها “إيجابية”.
أما في المسار العسكري، فاقتصر البحث على المفاهيم المرجعية، ضمن نقاش تقني يهدف إلى التفاهم على المفردات والمصطلحات العسكرية المستخدمة.
وعلى المستوى السياسي، تناولت المناقشات الإشكالات المتعلقة بكل منطقة من المناطق التجريبية، وقدم الوفد اللبناني خيارات عدة بشأنها، كما شدد على ضرورة تجديد وقف إطلاق النار.
وكانت مصادر قد أفادت لبي بي سي، الأربعاء، في اليوم الثاني من المفاوضات، بأن النقاش بشأن المناطق التجريبية بدأ من دون التوصل إلى نتائج.
وقالت المصادر حينها إن البحث تركز على القضايا الأساسية التي ستُبنى عليها هذه المناطق، وإن إسرائيل لم تكن قد وافقت، حتى ذلك الوقت، على إدراج بنت جبيل والخيام ضمن المناطق التجريبية الجديدة.
وأضافت أن التوجه في المفاوضات يقوم على وضع خطة شاملة تُنفذ على مراحل، بالتوازي مع مواصلة البحث في توسيع نطاق المناطق التجريبية ليشمل مناطق أخرى محيطة بالمنطقة الحالية.
وتندرج هذه المناقشات ضمن اتفاق الإطار الذي توصل إليه لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية في يونيو/حزيران، والذي يتضمن نزع سلاح حزب الله، وانسحاباً تدريجياً للقوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، وانتشار الجيش اللبناني في المناطق التي تنسحب منها، بدءاً من المناطق التجريبية.
وقال مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية إن مباحثات هذه الجولة تشمل توسيع مسار المناطق التجريبية، وتسوية قضايا الحدود العالقة، والعمل على التوصل إلى اتفاق شامل بشأن السلام والأمن.
أما في اليوم الأول، فقالت مصادر في الرئاسة اللبنانية لبي بي سي إن المسار السياسي تناول ملف الحدود، وقدم خلاله الوفد اللبناني عرضه، فيما ناقش المسار العسكري آلية التحقق والجهة الثالثة التي ستتولى تنفيذها.
وأضافت المصادر أن لبنان لم يكن قد تلقى، حتى ذلك الحين، أجوبة من المستوى السياسي الإسرائيلي بشأن الالتزام بوقف إطلاق النار، وأن ملف المناطق التجريبية لم يُبحث خلال ذلك اليوم.
انفجار يربك المفاوضات

وأعلن الجيش الإسرائيلي مقتل جنديين من قوات الاحتياط وإصابة أربعة آخرين بجروح خطيرة، إثر انفجار داخل مبنى دخلوه خلال عملية تمشيط في جنوب لبنان.
ونقلت إذاعة الجيش الإسرائيلي عن مصدر أمني قوله إنه لم يتضح بعد ما إذا كانت العبوة التي تسببت في الانفجار قد زُرعت قبل اتفاق وقف إطلاق النار أم بعده.
وكان الجيش الإسرائيلي قد وصف الحادث في البداية بأنه “انتهاك صارخ” لوقف إطلاق النار من جانب حزب الله، وأعلن شن سلسلة من الضربات في جنوب لبنان رداً عليه.
لكن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس لم يشر، في بيان لاحق نعى فيه الجنديين، إلى حزب الله أو إلى وقوع خرق لوقف إطلاق النار، في ظل استمرار الغموض بشأن ملابسات الانفجار والجهة المسؤولة عنه.
وجاء الحادث بالتزامن مع المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل في روما، فيما قالت وسائل إعلام لبنانية إن التصعيد الميداني خيّم على أجواء المحادثات.
وأصدرت إسرائيل لاحقاً إنذاراً لسكان بلدة المنصوري بالإخلاء، قبل أن تشن ضربات في جنوب لبنان.
وقالت وزارة الصحة اللبنانية إن غارة إسرائيلية على بلدة تبنين أسفرت عن مقتل شخص وإصابة 12 آخرين، فيما أفادت الوكالة الوطنية للإعلام بسقوط جرحى في غارات استهدفت برج الشمالي، وبقصف مدفعي طال المنصوري ومجدل زون.
ويمثل مقتل الجنديين أول خسائر بشرية في صفوف الجيش الإسرائيلي في لبنان منذ بدء تطبيق الهدنة في يونيو/حزيران، وكان آخر جندي إسرائيلي قد قُتل في جنوب لبنان في 28 يونيو/حزيران.
غارات وإنذار إخلاء

وكان التصعيد العسكري الإسرائيلي بدأ بعد ظهر الأربعاء واستمر حتى صباح الخميس، وشمل غارات جوية وقصفاً مدفعياً ونيراناً من الدبابات في قضاء صور.
وقالت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية إن إسرائيل “صعّدت اعتداءاتها” على المنطقة، مشيرة إلى شن أربع غارات على بلدة البرج الشمالي أسفرت عن إصابة أربعة أشخاص.
وأضافت الوكالة أن الطائرات الإسرائيلية شنت ثلاث غارات على بلدة المنصوري ومحيطها، بالتزامن مع قصف مدفعي وإطلاق نار من الدبابات. وكان الجيش الإسرائيلي قد أصدر إنذاراً لسكان البلدة بالإخلاء، هو الأول من نوعه في لبنان منذ أكثر من شهر.
وتقع المنصوري على بعد نحو تسعة كيلومترات جنوب مدينة صور وعشرة كيلومترات شمالي الحدود مع إسرائيل. وتعرضت البلدة ومحيطها خلال الأسابيع الماضية لغارات وقصف مدفعي إسرائيليين، رغم اتفاق وقف إطلاق النار.
وكانت بلدية المنصوري قد أبلغت السكان في 22 يونيو/حزيران بإمكان العودة إلى البلدة، لكنها طلبت منهم الابتعاد عن الجزء الواقع ضمن ما تسميه إسرائيل “المنطقة الأمنية”، وهي شريط يمتد لنحو عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية وتواصل القوات الإسرائيلية العمل فيه.
وأعلنت وزارة الصحة اللبنانية مقتل شخص وإصابة 12 آخرين في غارة إسرائيلية استهدفت مصلى قرب مقبرة في بلدة تبنين، على بعد نحو 25 كيلومتراً من المنصوري.
وجاء تجدد الغارات في وقت قال فيه مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إن أكثر من 800 ألف نازح بدأوا العودة إلى منازلهم مع تراجع حدة المواجهات، بينما لا يزال أكثر من 360 ألف شخص نازحين.
سجال داخلي لبناني

يرفض حزب الله إجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، ويتمسك بعدم تسليم سلاحه.
وبالتزامن مع انعقاد المفاوضات، أجرى وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني اتصالاً بنظيره الإيراني، دعا خلاله طهران إلى العمل على وقف عمليات حزب الله.
وكان تاياني قد أعرب، قبيل بدء الغارات الإسرائيلية، عن أمله في أن تسفر محادثات روما عن نتائج ملموسة.
وقال الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، الثلاثاء، إن هذه المفاوضات “لن تجلب للبنان إلا العار والمذلة” والتنازلات.
وجاءت تصريحات قاسم في خضم سجال سياسي حاد مع الحكومة اللبنانية، إذ اتهمها بخدمة المصالح الإسرائيلية والفشل في الدفاع عن سيادة لبنان. كما انتقد الرئيس جوزيف عون، معتبراً أنه لم يتصرف بوصفه “حَكَماً وموحِّداً”، بل “طرفاً يفرّق بين اللبنانيين”.
ورد رئيس الحكومة نواف سلام، من دون أن يسمّي حزب الله صراحة، باتهام أطراف داخلية باحتكار قرار الحرب وربط لبنان بـ”محاور خارجية”، وجرّه إلى حروب وصفها بأنها عبثية.
وقال سلام، في منشور مطول على منصة إكس، إن من استأثروا بقرار الحرب منحوا إسرائيل ذريعة لمهاجمة لبنان وتدمير بلداته وقراه وتهجير مئات الآلاف من سكانه، مضيفاً أن سيادة البلاد لا يمكن ضمانها إلا في ظل دولة يكون جيشها وحده صاحب سلطة الانتشار على كامل أراضيها.
وجدد سلام في الوقت نفسه التزام حكومته بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، وضمان عودة النازحين وإعادة إعمار المناطق المتضررة، داعياً إلى وقف اتهام الحكومة بالخيانة بسبب موقفها من إسرائيل وقرارها خوض مفاوضات مباشرة معها.
كما دعا النائب عن حزب الله حسين الحاج حسن إلى وقف المحادثات المباشرة و”تصحيح المسار”، معتبراً أنها خدمت إسرائيل حتى الآن وأدت إلى تقديم “تنازلات مجانية”.
وتراجعت حدة المواجهات في لبنان منذ اتفاق يونيو/حزيران والتوصل إلى اتفاق أولي بين الولايات المتحدة وإيران بشأن النزاع في الشرق الأوسط، لكن الغارات والقصف الإسرائيليين استمرا بصورة متقطعة.
وكان حزب الله قد أطلق في الثاني من مارس/آذار صواريخ باتجاه إسرائيل دعماً لإيران، ما أدخل لبنان في نطاق المواجهة الإقليمية الأوسع.
ومع استمرار الغموض بشأن الجهة المسؤولة عن الانفجار الذي أدى إلى مقتل الجنديين الإسرائيليين، وعدم حصول لبنان على تعهد بوقف العمليات العسكرية أو موافقة إسرائيلية على انسحابات إضافية، تواجه الجولة الحالية خطر الانتهاء من دون تحقيق تقدم ملموس، رغم أن التقارير اللبنانية تشير إلى أن المحادثات لم تنهَر بالكامل.
المصدر: bbc arabic

