طاهر علي (مواليد 15 أكتوبر 1971 في برمنغهام، المملكة المتحدة) هو سياسي بريطاني وعضو في مجلس العموم عن حزب العمال، يمثل دائرة برمنغهام هول غرين وموزلي منذ عام 2019.و يُعرف بنشاطه ومواقفه الداعمة لقضايا الشرق الأوسط، وعلى وجه الخصوص القضية الفلسطينية.
إن التقرير الأخير الذي يفيد بأن إسرائيل لم تُجرِ أي ملاحقات قضائية بحقمرتكبي قتل المدنيين الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة منذ بداية هذا العقديُعد إدانة صارخة للعدالة والمساءلة وللنظام الدولي القائم على القواعد. ففي الشهر الماضي فقط، قُتل عشرة مدنيين فلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة على يدمستوطنين إسرائيليين وقوات الشرطة، من بينهم أم وأب وطفلاهما الصغيران، الذينأُطلق عليهم النار في الرأس أثناء عودتهم إلى المنزل من رحلة تسوق.
لكن ما يكشفه هذا التقرير ليس حادثة استثنائية، بل هو أحدث مظهر لنمط مألوفوعميق الضرر: عنف يُمارس ضد الشعب الفلسطيني من قبل قوة احتلال، يتبعهصمت وتأخير وغياب للمساءلة.
ولهذا النمط سابقة مقلقة في تجربة بريطانيا نفسها خلال احتلالها لفلسطين بينعامي 1918 و1948. وخلال الثورة العربية بين 1936 و1939، لم تكتفِ السلطاتالبريطانية بالرد على الاضطرابات، بل أنشأت إطاراً قانونياً وعسكرياً يُضفيالشرعية على العقاب الجماعي والاعتقال التعسفي واستخدام القوة القسرية، معتقييد الوصول إلى المحاكم. وبذلك، لم يُستخدم القانون لكبح العنف، بل لتبريره. وكانت النتيجة نظامًا يسمح بارتكاب الانتهاكات والإفلات من العقاب، وهو ما يُشابهإلى حد كبير ما نشهده اليوم.
أحلك يوم
ومن أوضح وأبشع الأمثلة على ذلك، مجزرة البصة في سبتمبر/أيلول 1938، حيثتوجد أدلة قوية على أن الجيش البريطاني ارتكب مجزرة بحق نحو 50 فلسطينياًمن المسيحيين والمسلمين، وذلك انتقاماً من تفجير عبوة ناسفة على جانب الطريق. وتُعد هذه الحادثة من أكثر الوقائع فداحة والتي تم الكشف عنها من تلك الفترة.
ولهذا فإن حملة “”Britain Owes Palestine تأتي في وقت بالغ الأهمية. فقدقدمت الحملة، بالتعاون مع محامين في مجال حقوق الإنسان ومؤرخين، عريضة قانونية من 400 صفحة إلى الحكومة توثق أفعالاً يُزعم أنها غير قانونية وانتهاكاتمنهجية خلال تلك الفترة.
ولا تُعد هذه العريضة محاولة لتبادل الاتهامات التاريخية، بل هي قضية قانونيةوأخلاقية معقدة تؤكد أن سلوك بريطانيا في فلسطين كان بحد ذاته مخالفًا للقانون،وأن إرث ذلك السلوك لا يزال يساهم في تشكيل ما يوصف بالإبادة وغيرها منانتهاكات القانون الدولي الجارية في غزة والضفة الغربية اليوم.
وتوضح العريضة كيف قامت بريطانيا باحتلال فلسطين، ودعمت وعد بلفور،وحرمت الأغلبية العربية الفلسطينية من الحكم الذاتي الفعلي، وساهمت في ترسيخنظام سياسي أصبح فيه التغيير الديمغرافي والضبط القسري أمراً طبيعياً.
ثم تجادل بأن قوانين الطوارئ التي استخدمت لقمع الثورة العربية جعلت العنفوالعقاب الجماعي “قانونيين” شكلاً، بينما سمحت في الوقت نفسه بوقوع الإكراهغير القانوني دون مساءلة عبر حرمان الأفراد من الوصول إلى المحاكم. وتصفالعريضة ذلك بأنه “حكم بالقانون” وليس “حكم القانون”، وتقول إن النظام كانبمثابة حكم عسكري قانوني، حيث تتفوق القوة العسكرية على الحماية القانونيةوالرقابة القضائية.
وهذا ليس مجرد نقد تاريخي، فقد ساهمت أساليب بريطانيا في فلسطين في خلقإرث من العنف لم تقتصر آثاره على فترة الانتداب. إن أدوات القمع، مثل العقابالجماعي، وهدم المنازل، وعمليات التفتيش العقابية، والتحقيق القسري، والإفلاتمن العقاب، صُنعت في بريطانيا، وتركت في فلسطين، ولا تزال مستخدمة حتىاليوم.
اعتذار رسمي
وبناءً على ذلك، تطالب الحملة الحكومة البريطانية بأكثر من مجرد تعبيرات عامة عنالقلق. فهي تطالب بالبحث في الأرشيفات غير المنشورة، وتقديم رد علني كامل،والاعتراف بالأفعال غير المشروعة، وتقديم اعتذار رسمي في البرلمان، والنظر الجادفي التعويضات وأشكال أخرى من المساءلة. وهذه ليست خطوات رمزية، بل هيالحد الأدنى المطلوب من دولة تدّعي احترام القانون الدولي والشفافية والمساءلةالتاريخية. ولطالما افتخرت بريطانيا بكونها أمة تُعلي من شأن العدالة وحقوقالإنسان والإنصاف، وهي المبادئ التي تُشكّل هويتنا اليوم. لذلك، فقد حان الوقتلأن نتمسك بهذه القيم، ونحترم مُثلنا الوطنية، ونعوّض عن أخطاء الماضي، حتىنتمكن من المضي قدمًا كدولة بنزاهة.
وقد انضممت مؤخراً إلى مجموعة عابرة للأحزاب تضم 45 نائباً وعضواً في مجلساللوردات، ووقعت على رسالة مفتوحة تحث رئيس الوزراء على الرد على العريضةوتقديم اعتذار رسمي يعترف بالدور التاريخي لبريطانيا. وحتى بعد مرور ستةأشهر على تقديمها، لم تقدم الحكومة أي رد حتى الآن.
لا يمكن لبريطانيا أن تتحدث بشكل مقنع عن دعم القانون الدولي في الشرقالأوسط بينما ترفض في الوقت نفسه فحص دورها في تشكيل الظروف التي جعلتذلك الانتهاك ممكناً. فإذا تم التساهل مع الإفلات من العقاب في الحاضر، فذلكلأنه تم تطبيعه في الماضي. وإذا كان التاريخ يعيد نفسه في الضفة الغربية، فإنعلى بريطانيا واجباً ليس فقط في الاعتراف بذلك، بل في تحمّل مسؤوليتهاالتاريخية في تسهيله.
إن السؤال ليس ما إذا كانت بريطانيا تتحمل مسؤولية عقود من العنف فيفلسطين، بل ما إذا كانت ستعترف بذلك أخيراً.


