قالت منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو والقرى المستهدفة ،إن منطقة وردان، الواقعة بين مدينتي حلحول وبيت أمر في محافظة الخليل والمعروفة أيضًا باسم ظهر البو، تعد واحدة من أكثر المناطق الزراعية أهمية وحساسية في جنوب الضفة الغربية، لما تشكله من حزام زراعي استراتيجي يغطي عشرات العائلات بمصدر رزق أساسي يعتمد على زراعة العنب والخضروات الموسمية والبندورة والمحاصيل البعلية. وتتميز أراضي وردان بتربتها الخصبة ووفرة مصادر المياه فيها، إذ تنتشر فيها الينابيع الطبيعية، وقنوات الري الحجرية والحديثة التي ورثها السكان عن أجدادهم، ما جعلها عبر العقود سلة غذاء محلية تعيل مئات الأسر، وتوفر إنتاجًا زراعيًا يسد احتياجات الأسواق القريبة والبعيدة، ويشكل رافعة اقتصادية واجتماعية للمجتمع المحلي بأكمله. هذه الأراضي لم تكن مجرد مساحات زراعية، بل كانت شاهدة على تاريخ طويل من الارتباط بين الإنسان والأرض، حيث حافظ المزارعون على نظم الري التقليدية والأساليب الزراعية القديمة، التي ما زال البعض يستخدمها حتى اليوم، في حين أن جزءًا آخر من السكان أضاف أساليب زراعة حديثة بهدف زيادة الإنتاجية ومواجهة تحديات المناخ والتقلبات الجوية التي تؤثر على المحاصيل.
ورغم هذه الأهمية الزراعية والتاريخية، تعاني المنطقة من واقع قانوني شديد القسوة، إذ إنها مصنفة ضمن ما يُعرف بالمنطقة G، وهو تصنيف يجعل البناء أو التوسع العمراني والزراعي فيها شبه مستحيل، ويحرم الأهالي من إقامة مشاريع زراعية دائمة، أو تحسين مساكنهم، أو إدخال البنية التحتية الضرورية مثل شبكات الري الحديثة أو بناء صوامع لتخزين المحاصيل. هذا التصنيف، المقرون بالقيود العسكرية الإسرائيلية المتشددة، جعل حياة السكان رهينة قرارات الاحتلال، وحولهم إلى مستهدفين دائمين من قبل المستوطنين، الذين يشنون الاعتداءات بشكل متكرر وبأساليب متصاعدة، في محاولة لفرض سيطرة تدريجية على الأراضي، واستنزاف قدرة السكان على الدفاع عن حقهم في الأرض والعمل الزراعي، بما يعكس مخططًا ممنهجًا للاستيلاء على الأرض. وتكمن خطورة هذا الواقع في أن منازل الأهالي لا تبعد عن أراضيهم سوى نحو مئة متر فقط، وهو ما يجعلهم عرضة مباشرة لأي اقتحام أو اعتداء، ويضعهم في دائرة خطر متواصل يتجدد مع كل موسم زراعي جديد، إذ يترقب السكان ما سيحدث لمحاصيلهم وما قد يتعرضون له من مضايقات أو تهديدات، ما يخلق ضغطًا نفسيًا دائمًا ويزيد من حدة التوتر الاجتماعي والأسري.
وأكدت منظمة البيدر أن الانتهاكات في وردان تصاعدت بوتيرة لافتة خلال عام 2025، حيث سجلت خلال الشهرين الماضيين وحدهما أكثر من عشرين حادثة اعتداء موثقة، شملت كل أشكال المضايقات المادية والجسدية والنفسية، وقد تنوعت هذه الانتهاكات بين اقتحام الأراضي الزراعية بشكل متكرر، ورعي الأغنام عمدًا داخل المحاصيل المزروعة، وإلقاء الحجارة على المنازل أثناء تواجد النساء والأطفال فيها، والاعتداء الجسدي المباشر على المزارعين أثناء عملهم، إضافة إلى منع الأهالي من جني ثمارهم ومصادرتها قسرًا أو سرقتها أمام أعينهم. كما شملت الاعتداءات تخريب شبكات الري، وإتلاف المزروعات، وقطع الأشجار المثمرة، وإشعال الحرائق المتعمدة في الأراضي الزراعية، ما ألحق خسائر فادحة بالإنتاج الزراعي، وأدى إلى تراجع اعتماد السكان على أراضيهم بشكل شبه كامل، وهو الهدف الأساسي الذي يسعى إليه المخطط الاستيطاني الممنهج، إذ لا يقتصر الضرر على الموسم الزراعي الحالي، بل يمتد أثره على الموسم القادم ويؤثر على استمرارية المزارع في العمل الزراعي.
وفي شهادة خاصة، أوضح المواطن د. محمد عوني محمد محيسن أن آخر هذه الحوادث وقع أثناء قيام الحاج محمود عبد المحسن البو، صاحب الأرض، بقطف الثمار برفقة عدد من أفراد عائلته وقد تعرضت بعض النساء المرافقات له لإصابات في الرأس استلزمت غرزًا طبية داخل المستشفى، بينما أصيب أحد الرجال بكدمات وإصابات متفرقة في أنحاء مختلفة من جسده وبيّن محيسن أن هذا الاعتداء لم يكن مجرد واقعة عابرة، بل ترك أثرًا نفسيًا عميقًا على العائلة بأكملها، حيث أصيبت النساء بحالة من الخوف والقلق الدائم، وأصبح الرجال أكثر حذرًا في التوجه إلى أراضيهم خوفًا من أي هجوم مفاجئ. كما أدى الاعتداء إلى تعطيل عملهم الزراعي لأيام طويلة، وألحق بهم خسائر كبيرة في المحاصيل التي جرى الاعتناء بها طوال الموسم، وهو ما شكل ضربة موجعة لجهودهم اليومية، وأثر بشكل مباشر على استقرارهم الاقتصادي والاجتماعي، وخلق شعورًا بالإحباط والعجز أمام عنف المستوطنين وحماية الجيش لهم.
وأشار محيسن أيضًا إلى أن مستوطنين قاموا مؤخرًا بوضع عبارات تهديدية مكتوبة على الطريق الالتفافي المؤدي إلى البؤرة الاستيطانية المقامة في المنطقة، والتي تحتل أكثر من 150 دونمًا من الأراضي الزراعية الخصبة وقد حملت هذه العبارات تحذيرات مباشرة للمزارعين من الاقتراب من أراضيهم أو العمل فيها، وهو ما اعتبره السكان رسالة ترهيب علنية تهدف إلى منعهم من ممارسة حياتهم الطبيعية وإجبارهم على ترك أراضيهم هذه العبارات لم تكن مجرد كلمات على جدار، بل كانت أدوات لإرسال رسائل واضحة بأن المنطقة تحت السيطرة الكاملة للمستوطنين وأن أي تحرك فلسطيني سيتم قمعه، وهو ما جعل الكثير من العائلات تتردد في التوجه إلى مزارعها خشية الاعتداء أو الملاحقة، ما أدى إلى تراجع الإنتاج الزراعي وتفاقم الضغوط النفسية والاجتماعية على السكان، وبالأخص النساء والأطفال الذين أصبحوا أكثر عرضة للتأثر النفسي من واقع العنف المستمر.
وبيّنت منظمة البيدر أن هذه البؤرة، المعروفة باسم “جيفن أمي”، مقامة على جبل وردان وتشمل معهدًا دينيًا، وتعتبر من أبرز بؤر التوسع الاستيطاني في المنطقة. وقد تمت إزالة هذه البؤرة أربع مرات على الأقل بقرارات شكلية من سلطات الاحتلال، إلا أن المستوطنين كانوا يعودون بعد كل إزالة لإعادة بنائها خلال ساعات قليلة، ما يكشف عن وجود حماية سياسية وعسكرية كاملة لمشاريع الاستيطان وأشارت المنظمة إلى أن الهدف من وجود هذه البؤرة ليس عشوائيًا، بل هو جزء من مخطط أوسع يهدف إلى ربط المستوطنات القريبة ببعضها، وتطويق الأراضي الزراعية الفلسطينية وتحويلها إلى مناطق نفوذ استيطاني دائم، وإحداث تغيير ديمغرافي تدريجي عبر التضييق على السكان وإجبارهم على الرحيل، إضافة إلى خلق واقع اقتصادي ضعيف للأهالي يجعلهم غير قادرين على الاستمرار في الزراعة دون مواجهة مستمرة أو دعم خارجي.
كما أضاف التقرير أن السكان المحليين يواجهون قيودًا مشددة على حرية حركتهم داخل المنطقة، حيث يوجد مدخل وحيد يقود إلى أراضيهم الزراعية، وقد أقيمت عليه بوابة حديدية سلّمت مفاتيحها للمستوطنين، ما يمنع الأهالي من الدخول أو الخروج حتى سيرًا على الأقدام من دون إذن هذا الإجراء غير المسبوق أدى إلى عزل السكان عن أراضيهم في أوقات كثيرة، وتسبب في تعطيل العمل الزراعي، وزيادة الخسائر الاقتصادية، وتراجع القدرة على الاعتناء بالمحاصيل، وجعل عملية الوصول إلى الأرض محفوفة بالمخاطر بشكل يومي، إلى درجة أن بعض المزارعين أصبحوا يتوجهون إلى أراضيهم في ساعات الفجر المبكر أو المساء لتفادي المواجهة مع المستوطنين، وهو ما يزيد من العبء النفسي والجسدي عليهم ويقلل إنتاجيتهم بشكل ملحوظ.
ولفتت منظمة البيدر إلى أن الانتهاكات في وردان لا تقتصر على الأضرار الجسدية أو المادية فحسب، بل تمتد إلى الجانب النفسي والمعنوي والاجتماعي، حيث يعيش الأهالي في حالة من التوتر والخوف المستمر من أي هجوم مفاجئ، ويضطرون إلى ترك أعمالهم الزراعية غير مكتملة خشية الاعتداء أو الاعتقال. وقد انعكست هذه الضغوط على الأطفال والنساء بشكل خاص، إذ باتت حياتهم اليومية مرتبطة بالتهديدات والقيود التي تحد من حركتهم وتضعهم في حالة دائمة من القلق وعدم الاستقرار، حتى أن بعض العائلات تفكر جديًا في ترك المنطقة رغم ارتباطها التاريخي بالأرض، وهو ما يعتبره الأهالي خسارة مضاعفة لا تُعوض.
وأوضحت منظمة البيدر أن الوضع القانوني الحالي في وردان يمثل أحد أبرز أسباب استمرار الانتهاكات، إذ ينتهك الاحتلال العديد من القوانين المحلية والدولية، منها المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 التي تحظر نقل المدنيين إلى الأراضي المحتلة، والمادة 147 التي تعتبر التدمير العمدي للممتلكات المدنية انتهاكًا جسيمًا، وكذلك القرارات الدولية لمجلس الأمن، مثل القرار رقم 2334 لعام 2016 الذي اعتبر كل المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانونية وباطلة، وأن أي أعمال استيطانية في هذه المناطق تشكل خرقًا للقانون الدولي الإنساني. كما يشمل ذلك اتفاقيات حقوق الإنسان الدولية التي تؤكد على حق السكان في التمتع بالأمن والحماية، وحقهم في ممارسة حياتهم الاقتصادية والزراعية بحرية، بما في ذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي يكفل لكل فرد الحق في العمل والزراعة والتمتع بمصادر رزقه.
وعلى الرغم من هذه القوانين والاتفاقيات الدولية، فإن الاحتلال لا يلتزم بأي منها، ويغض الطرف عن الانتهاكات المتكررة، بل يقدّم حماية سياسية وعسكرية للمستوطنين، ما يعكس تواطؤًا صريحًا مع انتهاك حقوق السكان، ويجعل تطبيق القانون الدولي مجرد نصوص على الورق بلا جدوى عملية، ويزيد من مأساة المزارعين الذين يجدون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع الاستيطان المدعوم.
واشارت المنظمة أن هذه السياسات مجتمعة تمثل نموذجًا ممنهجًا للاستيلاء التدريجي على الأرض عبر الضغط النفسي والاقتصادي والقانوني، وأن الهدف الواضح هو إفراغ المنطقة من سكانها الأصليين، وحرمانهم من مصدر رزقهم الأساسي، وتحويل الأراضي الخصبة إلى نطاقات استيطانية محصنة، وهو ما يؤدي إلى أزمة اقتصادية حقيقية تهدد الأمن الغذائي في المحافظة، ويزيد من معدلات الفقر والبطالة ويعمّق الأزمات الاجتماعية.
وفي ختام تقريرها، أكدت منظمة البيدر أن ما يجري في وردان هو انعكاس واضح لسياسات الاستيطان القسري التي تستهدف الوجود الفلسطيني في قلب أرضه، وأن حماية الأراضي وضمان وصول المزارعين إليها بات ضرورة وطنية وإنسانية عاجلة، مطالبة المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية بتطبيق القوانين الدولية لحماية السكان وضمان وصولهم الآمن إلى أراضيهم، مؤكدين أن صمود السكان في وردان هو خط الدفاع الأول في مواجهة الاستيلاء على الأرض، وأن مستقبل الزراعة في المنطقة مهدد بالاندثار إذا لم يتم التحرك الفوري لوضع حد لهذه الممارسات، التي تتسع يومًا بعد يوم، لتطال كل أراضي المنطقة المجاورة وتخلق واقعًا جديدًا من التهجير القسري والتضييق على حقوق الفلسطينيين.
توصيات منظمة البيدر
1. فتح ممرات آمنة للمزارعين: العمل على إنشاء ممرات حقيقية وآمنة تمكّن المزارعين من الوصول إلى أراضيهم دون تهديد، سواء سيرًا على الأقدام أو باستخدام وسائل النقل الزراعي، مع وضع مراقبة دولية لضمان عدم عرقلة حركتهم.
2. حماية قانونية ودولية للأراضي: مطالبة الجهات الحقوقية الدولية والمحاكم المختصة بوقف كافة الاعتداءات على الأراضي الزراعية في وردان، وفرض عقوبات على الجهات المسؤولة عن الانتهاكات، مع متابعة المستوطنين الذين يهددون حياة السكان أو يعتدون على ممتلكاتهم.
3. إزالة البؤر الاستيطانية بشكل دائم: الضغط على الاحتلال لإزالة البؤرة الاستيطانية “جيفن أمي” بشكل نهائي، ومنع إعادة بنائها، مع متابعة مستمرة عبر آليات حقوقية وقانونية دولية للتأكد من عدم التوسع المستقبلي.
4. توفير الحماية الميدانية الفورية: التنسيق مع المؤسسات الدولية لتوفير حماية ميدانية للسكان أثناء موسم جني المحاصيل أو العمل في الأراضي الزراعية، بما يضمن الحد من الهجمات الجسدية والنفسية عليهم.
5. التوثيق المستمر للانتهاكات: إنشاء منصة مركزية لتوثيق كافة الانتهاكات بالصوت والصورة، مع جمع بيانات دقيقة عن كل حادثة، لضمان إمكانية متابعة القضايا قانونيًا، وتقديمها للهيئات الحقوقية الدولية والإعلامية لدعم الضغط الدولي.
6. توعية السكان بحقوقهم: تنظيم ورشات عمل وحملات توعوية للسكان حول حقوقهم القانونية الدولية والمحلية، وسبل حماية أنفسهم وأراضيهم من الاعتداءات، مع دعمهم بالمعرفة القانونية والحقوقية اللازمة لمواجهة سياسات الاستيطان.
7. دعم اقتصادي وزراعي: توفير دعم عاجل للمزارعين الذين تضررت محاصيلهم، سواء عبر تقديم مساعدات مالية مباشرة أو توفير بذور وأسمدة وأدوات زراعية، لضمان استمرار النشاط الزراعي والحفاظ على الإنتاج المحلي.
8. التعاون مع المجتمع الدولي: حث الدول والمنظمات الدولية على الضغط على سلطات الاحتلال لوقف جميع الانتهاكات، والتأكد من تنفيذ القرارات الدولية المتعلقة بحماية الأراضي الفلسطينية وحقوق السكان المدنيين.
9. تخفيف الضغط النفسي والاجتماعي: دعم برامج محلية ونفسية للأهالي والأطفال المتضررين من الانتهاكات المستمرة، وتقديم المشورة والدعم النفسي والاجتماعي لمواجهة آثار الاعتداءات المستمرة على حياتهم اليومية.
10. مراقبة وشفافية كاملة: إنشاء آلية مستقلة لمراقبة الأراضي والمزارع في وردان، تضم ممثلين عن المجتمع المدني المحلي والمنظمات الحقوقية الدولية، لضمان شفافية الإجراءات ورفع أي تقارير عن أي انتهاكات فور حدوثها.
وأكدت منظمة البيدر في توصياتها أن تنفيذ هذه الإجراءات بشكل عاجل ومتزامن يعد عاملًا رئيسيًا لحماية السكان، وضمان صمودهم على أراضيهم، والمحافظة على مستقبل الزراعة في وردان، ومنع تحويل المنطقة إلى ساحة استيطان دائم يهدد حقوق الفلسطينيين بشكل مباشر، وأن أي تقاعس من المجتمع الدولي أو السلطات المختصة يضاعف من مأساة السكان ويهدد الأمن الغذائي والاجتماعي في المحافظة بشكل عام.

