في الأول من أغسطس/ آب 1945، تسلّمت الدولة اللبنانية من السلطات الفرنسية الوحدات العسكرية التي أصبحت نواة جيشها الوطني. كان ذلك اليوم إعلانًا عن انتقال السلاح إلى سلطة الدولة، وبداية بناء مؤسسة واحدة يُفترض أن تجمع اللبنانيين تحت قيادة وقرار موحدين.
لكن بعد ثلاثة عقود فقط، كانت الحرب الأهليةقد نقلت انقسامات البلاد السياسية والطائفية إلى داخل الثكنات. تمردت وحدات، وسقطت مراكز عسكرية، وظهرت تشكيلات حملت أسماء وقيادات وولاءات مختلفة، حتى أصبح في لبنان أكثر من جيش بدل المؤسسة التي أُنشئت لتكون عنوانًا لوحدة الدولة.
لم يكن تفكك الجيش نتيجة مواجهة عسكرية واحدة، وإنما حصيلة تدرج طويل: خلاف على دوره، وغياب قرار سياسي موحد، وتنامي نفوذ الميليشيات، وتدخلات إقليمية وجدت داخل المؤسسة العسكرية امتدادات وحلفاء. وكلما ضعفت القيادة المركزية، انتقل السلاح والجنود والثكنات إلى القوى المتصارعة.
احتاجت إعادة توحيد الجيش إلى سنوات من الدمج وإعادة التنظيم، قبل أن تتيح نهاية الحرب والتسوية السياسية جمع الوحدات المتنافسة مجددًا. واليوم، تحظى المؤسسة العسكرية بثقة داخلية وعربية ودولية، في وقت تتسع المهمات المطلوبة منها، ولا سيما في الجنوب وعلى الحدود مع إسرائيل.
وتتجه الأنظار مجددًا إلى الجيش بصفته ركنًا أساسيًا في الحفاظ على الدولة، خصوصًا بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان عام 2026، ومع اتساع دوره في الجنوب والحديث عن ترتيبات أمنية جديدة. ويُنظر إلى الجيش، داخليًا وخارجيًا، بوصفه إحدى المؤسسات اللبنانية الأكثر قدرة على العمل وسط الانقسام.
الجيش والتأسيس
بدأت إحدى المحطات الأساسية في قصة تأسيس الجيش اللبناني عام 1916، عندما أنشأ معسكر الحلفاء في المنطقة العربية “فرقة الشرق“، في وقت كانت فيه قوى رئيسية مثل فرنسا وبريطانيا تواجه السلطنة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى، قبل أن تنضم الولايات المتحدة لاحقًا إلى الحلفاء.
ضمت “فرقة الشرق” شبانًا لبنانيين أصروا، بحسب الرواية الرسمية، على شرطين: أن يقتصر قتالهم على القوات العثمانية، وأن يكون انخراطهم في صفوف القوات الحليفة بهدف تحرير لبنان.
وفي عام 1918، أصبحت الفرقة تضم في صفوفها أول سرية من سرايا الجيش اللبناني، وهي “السرية 23“، قبل أن يتوالى تشكيل السرايا الأخرى.
يرتبط تاريخ المؤسسة العسكرية أيضًا بإنشاءأفواج القناصة اللبنانية عام 1926، والتي عُرفت لاحقًا ضمن سلاح المشاة. فقد أنشأت سلطات الانتداب الفرنسي الأفواج الأول والثاني والثالث، وضمت لبنانيين وسوريين، مع أرجحية للعناصر اللبنانية، فيما بقيت قيادتها خاضعة لضباط فرنسيين.
وفي عام 1941، أعلن ضباط لبنانيون في قوات الشرق الخاصة أن خدمتهم لا تكون إلا في سبيل لبنان، وتحت علمه وبقيادة حكومته الوطنية، بعدما حاول الفرنسيون تشكيل وحدة لبنانية تقاتل إلى جانبهم في أوروبا.
وبعد نحو عامين على استقلال لبنان عام 1943، تسلّمت الدولة اللبنانية من الفرنسيين الوحدات العسكرية التي ضمت عسكريين ومنشآت وثكنات. وفي الأول من أغسطس/ آب 1945، تولّى لبنان قيادة القوات التي تسلّمها، ومنذ ذلك الحين كُرّس هذا التاريخ عيدًا للجيش.

