في مكان ما داخل جبال إيران، على عمق أكثر من 80 متراً من شبكات الأنفاق المعقدة، يقبع مخزونٌ من اليورانيوم العالي التخصيب، داخل 18 إلى 20 عبوة تشبه خزانات الغوص، وتحتوي كلّ منها على ما يصل إلى 55 رطلاً من اليورانيوم المشار إليه، وهو المادّة الرئيسة لصنع سلاح نووي، والتي قد تحدّد مستقبل العدوان الأميركي على إيران. ومنذ بدء العدوان، بدا أن واشنطن وتل أبيب قد أجّلتا التعامل مع البرنامج النووي الإيراني إلى «مرحلة تالية» من الحرب، بعدما ركّزتا طاقتهما على استهداف البحرية الإيرانية وصناعة الصواريخ الباليستية، في حين تُركت المواقع النووية الرئيسة، من مثل الموقع الموجود في مدينة أصفهان في وسط البلاد، بلا أيّ استهداف يُذكر.

على أن المنشآت النووية، التي أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في حزيران الماضي، «القضاء عليها»، عادت إلى الواجهة أخيراً، مع الحديث عن «استراتيجية نادرة» تعتزم كلّ من إسرائيل والولايات المتحدة اتّباعها، غرضها حرفياً «الاستيلاء» على اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، والبالغ وزنه 450 كيلوغراماً، وذلك عبر إرسال «قوات خاصة على الأرض». ودفع هذا الحديث بالعديد من المراقبين إلى التحذير من أن القوات المنويّ إرسالها قد تجد نفسها غارقة داخل منشآت تخصيب تحت الأرض، بحثاً عن اليورانيوم، قبل أن تصطدم بالتحدّيات المرتبطة بنقله إلى الخارج. والجدير ذكره، هنا، أنه عقب عدوان حزيران، طردت إيران مفتشي «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» من البلاد، فيما أكد رئيس الوكالة، رافاييل غروسي، أنه «لم يعُد بإمكانه أن يحدد أين يوجد اليورانيوم المخصب»، مكتفياً بتوقع أنه «لا يزال في أصفهان».

وخلال مؤتمر صحافي في الكونغرس، الثلاثاء، وردّاً على سؤال حول كيفية «تأمين» اليورانيوم المخصّب، ردّ وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، بالقول إنه «سيتعين على الناس أن يذهبوا ويحصلوا عليه»، من دون أن يحدّد من هم هؤلاء الناس. ومن جهته، أكد مسؤول دفاعي إسرائيلي، في حديث إلى موقع «أكسيوس» الأميركي، أن «ترامب وفريقه يفكرون جدياً في إرسال وحدات عمليات خاصة إلى إيران للقيام بمهام محدّدة»، فيما بيّن مسؤول أميركي أن الإدارة ناقشت، حتى اللحظة، خيارَين، هما: إمّا إزالة المواد من إيران بالكامل، أو الاستعانة بخبراء نوويين لـ«تخفيفها» في موقعها.

ولا تبدو تلك الخطط وليدة اللحظة؛ إذ نقل موقع «سيمافور» الأميركي عن مصدر مطّلع قوله إن «الحكومة الأميركية وحلفاءها الإسرائيليين يفكرون منذ مدة طويلة في شنّ هجوم برّي على المنشآت النووية الإيرانية»، مشيراً إلى أنه «خلال ولاية الرئيس السابق، باراك أوباما، اقترح وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك، إيهود باراك، على البيت الأبيض خططاً تشمل نشر قوات كوماندوز إسرائيلية على الأرض في أماكن من مثل أصفهان وفوردو وقم»، وهو ما رأت فيه الإدارة الأميركية آنذاك بمثابة خطة «مجنونة»، قبل أن تحظى حكومة الاحتلال، اليوم، برئيس قد يكون على القدر الكافي «من الجنون» لتطبيق خططها.

في السياق نفسه، يؤكد جوناثان هاكيت، المتخصّص في قدرات العمليات الخاصة، أن وحدة المهام الخاصة في الجيش الأميركي المعروفة باسم «قوات ديلتا»، «تستعدّ منذ مدة طويلة لمهمات مكافحة أسلحة الدمار الشامل»، موضحاً أن وظيفة هؤلاء «تتمثل في الدخول والسيطرة على ما نسمّيه عمليات (الأسلحة النووية السائبة)، والتي قد تشمل موادَّ انشطارية أو أجهزة طرد مركزي أو أيّ شيء آخر مرتبط بها، والذهاب فعلياً والاستحواذ عليها وإزالتها». ويقول هاكيت في حديث إلى الموقع: «لم يضطروا إلى القيام بذلك كثيراً في الماضي، لكنهم يتدرّبون عليه ويتمتّعون بالكفاءة فيه. هذا أحد الخيارات المطروحة على الطاولة، والذي ربّما لا يتمّ تداوله على نطاق واسع في الصحافة، ولكنه موجود بالفعل».

من جهته، يرى ميك مولروي، الذي شغل منصب نائب مساعد وزير الدفاع لشؤون الشرق الأوسط خلال مدة ولاية ترامب الأولى، أن واشنطن وتل أبيب قد تلجآن، كخطوة أولى، إلى شنّ ضربات جوية إضافية باستخدام «مخترقات التحصينات الضخمة». لكن مولروي ينبّه إلى أنه رغم «أن لدينا وحدات مدرّبة وقادرة على الدخول إلى هناك واستعادة اليورانيوم العالي التخصيب أو الأسلحة النووية، فإن تلك العملية ستكون عالية المخاطر إلى حدّ كبير».

ورغم حديث بعض المراقبين عن أن الإجراءات التي اتخذتها إيران لتحصين منشآتها وحماية مخزونها العالي التخصيب، تجعل من العملية العسكرية البرية خياراً «لا بد منه»، لا سيما وأن ترامب سيخسر حربه بمجرد الإبقاء على ذلك المخزون الذي قد يمنح كلّ من يتولى السلطة بعد الحرب القدرة على «إنتاج الأسلحة النووية»، يرى سبنسر فاراغاسو، الباحث البارز في «معهد العلوم والأمن الدولي»، في حديث إلى الموقع نفسه، «أن تلك الخطة ستكون خطيرة ومعقدة للغاية، مما يجعلها أقلّ احتمالاً بالنسبة إلى الولايات المتحدة». ويبيّن «(أنهم) سوف يحتاجون إلى نقل معدّات ضخمة لتحريك التربة – حتى بعد استهداف المواقع –، ما يجعل من الأسهل والأكثر أماناً مهاجمتها من الجو».

سيناريوات «كارثية»
تعقيباً على التسريبات حول العمليات البرية، يشير تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» إلى أنه، تاريخياً، كانت محاولات تأمين برنامج نووي في خضمّ الحرب، قليلة جداً، مضيفاً أن المرء لا يحتاج إلى مخيّلة واسعة لـ«استشراف كيف يمكن أن تسير الأمور بشكل رهيب» في هذه الحال. وفيما ترجح الولايات المتحدة وإسرائيل، اليوم، أن معظم اليورانيوم العالي التخصيب موجود في مجمع أنفاق خارج مدينة أصفهان، فإنه حتى مع توقف عمليات القصف، «سيكون من الصعب للغاية تحديد مصير المواد النووية الإيرانية بكلّ أشكالها، فضلاً عن ما تبقّى من أجهزة الطرد المركزي والمعدات ذات الصلة المشاركة في البرنامج».
وحتى في حال قصف المنشآت ومحاول الاستيلاء على اليورانيوم، فلا يمكن «قصف المعرفة الموجودة داخل عقول مئات المهندسين الإيرانيين»، بحسب الصحيفة، التي تحذر من أنه في حال تشتت هؤلاء العلماء بعد سقوط النظام أو انهيار المؤسسات، فقد يظهر البرنامج النووي مجدداً في دولة أخرى، أو في أيدي جماعات أخرى، خلال «مدة قصيرة».

ويذكّر التقرير ببرنامج «ون-لوغار» (Nunn-Lugar)، عندما اضطرت الولايات المتحدة إلى دفع رواتب للعلماء السوفييت وتوظيفهم في مشاريع «سلمية» لمنعهم من العمل لصالح أعدائها، في وقت يخاطر فيه تسرّب الخبرة المتقدمة التي يمتلكها العلماء الإيرانيون إلى جماعات من مثل «الحوثيين» أو «ميليشيات الظل»، بإدخال العالم في عصر «نووي غير دولتي».
وفي حين يحذر العديد من المحللين في الغرب من أن المجازفة بعملية برية ضدّ المنشآت النووية، من دون أخذ المخاطر اللوجيستية والعسكرية «الهائلة» في الاعتبار، قد تترتب عليها نتائج كارثية على القوات الأميركية ومستقبل العالم النووي، يصبح من بين الاحتمالات المطروحة، أن تنهي واشنطن حربها مع الإبقاء على القدرات النووية الإيرانية سليمة. على أن هذا السيناريو أصبح، في عهد رئيس لم يفوّت فرصة للتعهد بالقضاء على البرنامج النووي الإيراني كلياً، غير محبَّذ على الإطلاق لصناع السياسة الأميركيين، كونه سيجعل «سجلّ النظام في استهداف الولايات المتحدة وحلفائها في جميع أنحاء العالم أكثر سوءاً، في ظلّ الحماية التي ستوفرها الترسانة النووية» لإيران.

نقلا عن صحيفة الأخبار اللبنانية

شاركها.
Exit mobile version