اليوم تصرف الحكومة رواتب الموظفين العموميين بنسبة 60% وبحد أدنى 2000 شيكل، في حلقة جديدة من أزمة مالية مستمرة منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2021، وسط واقع مالي بالغ الصعوبة باتت فيه الرواتب تمثل العبء الأكبر على الخزينة.

تكشف أحدث بيانات وزارة المالية عن حجم الكتلة المالية التي تتحملها الموازنة شهرياً. إذ يبلغ عدد المستفيدين من الرواتب وأشباه الرواتب 291,884 شخصاً، يتوزعون بين 120,475 موظفاً مدنياً، و52,395 موظفاً عسكرياً، و54,253 مستفيداً من هيئة التقاعد الفلسطينية، و8,698 متقاعداً مالياً، إضافة إلى 2,453 موظفاً تحت إجراءات التعيين و399 على بند العقود.

كما تشمل الكتلة 11,766 من تفريغات 2005 في غزة، و4,200 من عقود المياومة، و37,265 حالة اجتماعية تتلقى مخصصات شهرية. وبذلك تستحوذ الرواتب وأشباهها على أكثر من 70% من إجمالي الإنفاق العام، لتبقى البند الأكثر ضغطاً على الموازنة.

في الظروف الطبيعية تحتاج الحكومة إلى نحو مليار و47 مليون شيكل شهرياً لصرف الرواتب كاملة، إلا أن الأزمة المالية أجبرتها على الاكتفاء بنسبة 60%، ما يخفض فاتورة الرواتب إلى ما بين 730 و750 مليون شيكل شهرياً.

تأتي هذه الضغوط في وقت تشير فيه البيانات إلى أن الإيرادات المحلية لا تتجاوز 400 مليون شيكل شهرياً، بينما تتراوح المساعدات الخارجية بين 120 و200 مليون شيكل، ليصل إجمالي الإيرادات المتاحة إلى نحو 600 مليون شيكل فقط.

لكن قبل توجيه هذه الإيرادات نحو الرواتب أو الخدمات، تذهب الحصة الأكبر منها لسداد الديون. فالدين العام – أي إجمالي ما اقترضته الحكومة من بنوك وجهات داخلية وخارجية لتغطية العجز – بلغ 15 ملياراً و436 مليون دولار حتى نهاية تشرين الثاني/نوفمبر 2025.

أما خدمة الدين العام، وهي المبالغ الدورية المخصصة لسداد فوائد القروض وأقساطها المستحقة، فتستهلك ما بين 250 و300 مليون شيكل شهرياً. وبذلك يذهب ما يقارب ثلاثة أرباع الإيرادات المحلية لسداد التزامات سابقة، قبل تغطية أي رواتب أو نفقات تشغيلية.

تتعمق الأزمة مع استمرار إسرائيل في احتجاز أموال المقاصة للشهر العاشر على التوالي، وهي تمثل نحو 68% من الإيرادات العامة. فقد بلغت قيمة المقاصة العام الماضي 10.2 مليار شيكل، إلا أن ما تم استلامه فعلياً لم يتجاوز 1.9 مليار شيكل فقط، فيما بلغت الإيرادات المحلية 5.1 مليار شيكل.

وتشير تقديرات وزير المالية إلى أن الاقتطاعات والاحتجازات الإسرائيلية بلغت نحو 4.4 مليار دولار، فيما تجاوزت قيمة الأموال المحتجزة 4 مليارات دولار، ما أدى إلى إنهاء العام الماضي بعجز يفوق 4.5 مليار شيكل.

في ضوء ذلك، تواجه الحكومة فجوة تمويلية شهرية تُقدّر بنحو 150 مليون شيكل لتغطية الرواتب المنقوصة وحدها، دون احتساب النفقات التشغيلية وخدمة الدين. إذ تحتاج الحكومة إلى ما لا يقل عن مليار شيكل شهرياً لتوفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية في قطاعات التعليم والصحة والأمن، بينما يتطلب صرف 60% من الرواتب نحو 720 مليون شيكل، إضافة إلى قرابة 250 مليون شيكل نفقات تشغيلية تشمل مستحقات المشافي وموردي الأدوية.

في مواجهة هذا الواقع، أعلنت الحكومة وقف جميع المشاريع التطويرية لعام 2026 والتركيز على النفقات الأساسية فقط. كما تتجه إلى إعادة صياغة آلية الاقتراض من البنوك الفلسطينية، في ظل ضغوط إسرائيلية متواصلة على الجهاز المصرفي، خشية انعكاس ذلك على الاستقرار المالي.

ورغم أن الدعم الخارجي بلغ نحو 850 مليون دولار العام الماضي، فإن الاستراتيجية المالية الحالية تقوم على فرضية استمرار احتجاز المقاصة وضعف التدفقات الخارجية، ما يعني أن الأزمة مرشحة للاستمرار.

وفي ظل هذا المشهد، تبقى الرواتب – التي يعتمد عليها قرابة 292 ألف مستفيد – عنوان الأزمة الأبرز، بين عجز متراكم، ودين متصاعد، وإيرادات لا تكفي لتغطية الحد الأدنى من الالتزامات، فيما تؤكد الحكومة أن حقوق الموظفين محفوظة وأنها لن تتخلى عن التزاماتها الاجتماعية رغم الضغوط غير المسبوقة.

شاركها.
Exit mobile version