يتعرض القطاع الصحي في غزة منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لأكبر كارثة إنسانية في تاريخه، حيث يواجه ضغوطًا غير مسبوقة نتيجة الاستهداف المباشر والحصار المستمر للطواقم الطبية والمنشآت الصحية، أدت لتعطيل وتدمير غالبيتها وقتل واعتقال الآلاف من الكوادر الطبية. ووفقًا لهذا الواقع المأساوي، الذي أدى لانهيار النظام الصحي تحت وطأة الاستهداف المباشر، ونقص الإمدادات، وغياب أي مظهر من مظاهر الحماية الدولية والأممية، ليشكل أزمة طبية محلية غير مسبوقة، ويمثل تهديدًا خطيرًا للأمن الصحي العالمي. وتشير بيانات وزارة الصحة وتقارير حقوقية إلى استشهاد أكثر من 1700 من الكوادر الطبية، بينهم أطباء وممرضون ومسعفون، إضافة إلى اعتقال نحو 400 آخرين. ووفق المصادر ذاتها، خرجت عشرات المستشفيات والمراكز الصحية عن الخدمة، سواء بسبب القصف المباشر أو نتيجة الحصار ومنع إدخال الوقود والأدوية، وأدى ذلك إلى توقف أقسام حيوية مثل العناية المركزة وحضانات الأطفال وغرف العمليات، ما انعكس سلباً على قدرة النظام الصحي على الاستجابة لآلاف الإصابات اليومية. كما وثّقت منظمات طبية وإنسانية حالات اعتقال لأطباء ومسعفين من داخل المستشفيات وسيارات الإسعاف، إضافة إلى استهداف مركبات إسعاف تحمل شارات دولية معتمدة، وذكرت شهادات أن بعض العاملين في المجال الطبي تعرضوا لسوء معاملة أثناء الاحتجاز. ويرى مراقبون أن الأوضاع الصحية في غزة دخلت مرحلة الانهيار شبه الكامل، في ظل النقص الحاد في المستلزمات الطبية والأدوية، وانقطاع متكرر للوقود اللازم لتشغيل المستشفيات، مؤكدين على أن استمرار هذه الأوضاع سيؤدي إلى كارثة إنسانية واسعة، خاصة مع الارتفاع المستمر في أعداد الضحايا.
ومع بدء الحرب، استهدف جيش الاحتلال المنظومة الصحية بشكل مباشر وممنهج، حيث تم تدمير وتضرر غالبية المستشفيات والمراكز الصحية، أبرزها مستشفى الشفاء الذي كان يعدّ الأكبر والأكثر تجهيزا في القطاع المدمر. كما جرى استهداف وتدمير أكثر من 200 مركبة إسعاف، ولم تكن هجمات جيش الاحتلال تقتصر على البنية التحتية، بل طالت الطواقم الطبية نفسها، وفقد الآلاف من الأطباء والممرضين والفنيين القدرة على العمل، وبلغ عدد الشهداء 1700 علاوة على 1312 مصابا، ونحو 400 معتقلا، بخلاف المفقودين والنازحين. ومازالت المستشفيات تعمل جزئيا، ويضطر الأطباء لإجراء عمليات دون تخدير، ويتم استخدام الهواتف المحمولة كمصدر وحيد للضوء داخل غرف العمليات. وتؤكد شهادة مؤلمة من الطبيبة منى الكرد في المستشفى الأوروبي أن ما “نقوم بعمليات بتر دون مسكنات. ونختار من يمكن إنقاذه ومن سيفارق الحياة، بسبب نقص الموارد. إنها قرارات تمزق القلب”. كما تؤكد تقارير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية أن أكثر من 80% من المرافق الصحية في غزة أصبحت خارج الخدمة، وأن القطاع المنكوب فقد ما لا يقل عن 70% من سيارات الإسعاف، وتعجز البقية عن الحركة بسبب نفاد الوقود، وقد وثقت منظمة الصحة العالمية أكثر من 686 استهدافا مباشرا للمرافق الصحية، مما يمثل خرقا صارخا لاتفاقيات جنيف. واليوم يعاني القطاع الصحي في غزة من نُدرة حادة في الأدوية والمستلزمات الطبية والقوى البشرية، ولم تعد سلطات الاحتلال تسمح بتزويد القطاع بأي شكل من أشكال الإمدادات الطبية. وتؤكد وزارة الصحة في غزة أن نسبة العجز في الأدوية الأساسية تجاوزت 90%، وتعمل أقل من 8 مراكز طبية بشكل جزئي في جميع أنحاء القطاع. كما توقفت خدمات حيوية مثل الغسل الكلوي وعلاج السرطان، كما انعدمت تماما وحدات الولادة الآمنة، مما تسبب في تسجيل آلاف الوفيات بسبب الحرمان من الرعاية الصحية. وضع صحي كارثي وفي هذا السياق، صرح منسق منظمة الصحة العالمية بالأراضي الفلسطينية المحتلة الدكتور ريك بيبركورن قائلا “ما يحدث في غزة انهيار تام للنظام الصحي. لا توجد أماكن آمنة لا للأطباء ولا للمرضى”. وقال إن الأوضاع الصحية في غزة كارثية، حيث تعمل المستشفيات بما يفوق طاقتها القصوى، في ظل النفاد التام لبعض الأدوية المنقذة للحياة وتزايد الوفيات الناجمة عن سوء التغذية والأمراض. وأضاف بيبركورن، أن أقل من نصف مستشفيات غزة وأقل من 38% من مراكز الرعاية الصحية الأولية تعمل جزئيا – أو بمستويات دنيا. وتابع بيبركورن: “يستمر النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، وقد تفاقم، حيث وصل مخزون 52% من الأدوية و68% من المستلزمات الطبية إلى الصفر”. ولفت إلى أن المستشفيات تعاني من ضغط شديد بسبب الإصابات في مناطق توزيع الغذاء، مما يُسبب أيضا نقصا مستمرا في الدم والبلازما، وأشار إلى مقتل ما لا يقل عن 1655 شخصا في تلك المناطق وإصابة أكثر من 11800 شخص منذ 27 مايو/أيار. وقد تفاقمت الأزمة بسبب أوامر الإجلاء في مدينة غزة، والتي وضعت الآن مستودع منظمة الصحة العالمية في منطقة إخلاء. كما تقع المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية الأولية ومرافق الإسعاف داخل هذه المناطق أو بالقرب منها، مما يُهدد بمزيد من التعطيل للخدمات. ولا يزال وصول الفرق الطبية الدولية والإمدادات الطبية يشكل عقبة رئيسية، حيث أشار الدكتور بيبركورن إلى رفض دخول المسعفين الدوليين، وتعطيل دخول مواد أساسية مثل معدات العناية المركزة وأجهزة التخدير ولوازم سلسلة التبريد. ورغم أن منظمة الصحة العالمية تمكنت من إدخال 80 شاحنة من الإمدادات الطبية منذ يونيو/حزيران، إلا أنه شدد على أن الإجراءات بطيئة وغير متوقعة، حيث تتأخر أو تُرفض العديد من الشحنات. وقال: “نحتاج إلى فتح العديد من المعابر المؤدية إلى غزة، وتبسيط الإجراءات، ورفع عوائق الوصول. نسمع عن السماح بدخول مزيد من الإمدادات الإنسانية، لكن هذا لا يحدث، أو يحدث ببطء شديد.
